شفوف نظر المحدثين: الباحث محمدو ولد باب

#دقة علم الحديث

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين .

وبعد فإن المطالع لما بذله المحدثون من دقة القواعد التي رسموها للوثوق من مرويات السنة النبوية يندهش من متانة سلطة الحركة النقدية التي رافقت حركة الرواية في العصور الذهبية في تقصي أثر الرواة في البلدان التي نخلوها في التثبت من سماعاتهم ومعرفة ما وقع لهم فيها من أوهام في بعض الشيوخ دون بعض .
فهذا سفيان بن حسين من الثقات الحفاظ روى له البخاري في صحيحه من غير روايته عن الزهري إلا أنه توقف في روايته عن الزهري خاصة لأنه سمع منه في الموسم لتشاغلهم في ذلك الوقت بخصوص العبادة عن التحري والتثبت .
وكتب العلل طافحة بأمثال هذه الاحتراسات في أحاديث الثقات التي تدل على شفوف نظرهم .
وقد كان الرواة يتوجسون من فحص النقاد، وأخبارهم في هذا عجيبة .
ومن لطيف الحكايات في ذلك ما ورد في سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي
قلت لأبي زرعة: قرة بن حبيب تغير؟
فقال: نعم كنا أنكرناه بآخره غير أنه كان لا يحدث إلا من كتابه، ولا يحدث حتى يحضر ابنه، ثم تبسم.
فقلت: لم تبسمت؟
قال: أتيته ذات يوم أنا وأبو حاتم، فقرعنا عليه الباب، واستأذنا عليه فدنا من الباب ليفتح لنا، فإذا ابنته قد خفت، وقالت له: يا أبت إن هؤلاء أصحاب الحديث، ولا آمن أن يغلطوك، أو يدخلوا عليك ما ليس من حديثك، فلا تخرج إليهم حتى يجيء أخي، تعني علي بن قرة، فقال لها: أنا أحفظ، فلا أمكنهم ذاك.
فقالت: لست أدعك تخرج فإني لا آمنهم عليك، فما زال قرة يجتهد ويحتج عليها في الخروج وهي تمنعه وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجىء علي بن قرة حتى غلبت عليه، ولم تدعه.
قال أبو زرعة: فانصرفنا، وقعدنا حتى وافى ابنه علي.
قال أبو زرعة: فجعلت أعجب من صرامتها، وصيانتها أباها”.
ومن القرائن الدقيقة الدالة عندهم على إعلال حديث الراوي إذا رحل أن يضعفه أهل بلده يقول المعلمي : ” الراوي الذي يطعن فيه محدثوا بلده طعنا شديدا لا يزيده ثناء بعض الغرباء عليه إلا وهنا لأن ذلك يشعر بأنه كان يتعمد التخليط فتزين لبعض الغرباء واستقبله بأحاديث مستقيمة فظن أن ذلك شأنه مطلقا فأثنى عليه وعرف أهل بلده حقيقة حاله ” .
ومن العبارات الرشيقة في توصيف منهج المحدثين قول ابن القطان الفاسي: ” وأهل هذه الصناعة أعني المحدثين بنوها على الاحتياط، حتى صدق ما قيل فيهم: لا يخف على المحدث أن يقبل الضعيف، وخَفَّ عليه أن يترك من الصحيح، وبذلك حفظت الشريعة لما أراد الله عز وجل حفظها ”
وقد أشاد بعض المستشرقين بجهود المحدثين يقول المستشرق الألماني سبرنجر فيما نقله عنه مصطفى صبري :
“إن الدنيا لم ترَ ولن ترى أمة مثل المسلمين، فقد دُرِسَ بفضل علم الرجال الذي أوجدوه حياة نصف مليون رجل”.
فهذه إلماحة سريعة أردنا من خلالها بيان دقة منهج علماء الحديث في الوثوق من الأحاديث ومعرفة المقبول منها من المردود التي غاب تصورها في الجملة فضلا عن تفاصيلها الدقيقة عند بعض التافهين الحاقدين.

قل للعواذل إن عابُوا محاسنهُ
متى يُرى ملكٌ في صُورة البشر
ماضرّ شمس الضّحى في الأفق طالعة
أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

محمد ولد بابه باحث مختص في علم الحديث

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى