حين يُستبدل صوت الشعب بتصفيق الحاشية

حين تُستبدل الشرعية بالتصفيق
لا تسقط الأنظمة دفعة واحدة، ولا ينهار الحكم فجأة، بل يبدأ التآكل في الغالب من لحظة صامتة؛ لحظة يختلط فيها صوت الحقيقة بضجيج التمجيد، ويُستبدل فيها الولاء للشعب بولاءٍ أعمى للحاشية، ويُقاس فيها الاستقرار بمدى الصمت لا بمدى العدل وحسن التدبير.
ما يشهده العالم بين الحين والآخر من اهتزازات في أنظمة حكم مختلفة ليس طارئًا ولا استثناءً، بل هو تجلٍّ متكرر لسنّة تاريخية وسياسية معروفة. فالقضية في جوهرها لا تتصل بشخص الحاكم بقدر ما تتصل بالبنية التي تحيط به، وبالدائرة التي تصوغ له صورة عن نفسه تختلف، أحيانًا حدّ التناقض، عن صورته في وعي الناس.
فالحاشية، حين تنقلب من ناصحٍ أمين إلى جوقة تصفيق، لا تحمي الحاكم بل تعزله. تبني حوله واقعًا مصطنعًا، تُجمَّل فيه الإخفاقات، ويُعاد فيه تأويل الغضب الشعبي بوصفه مؤامرة، ويُقدَّم النقد على أنه خيانة، والاختلاف على أنه تهديد. وفي هذا المناخ المضلِّل، قد يظن الحاكم أنه يزداد قوة، بينما هو في الحقيقة يفقد، خطوة بعد أخرى، آخر مقومات الشرعية.
أخطر ما في هذا المسار أن السلطة تتحول من أداة لخدمة الناس إلى غاية قائمة بذاتها. عندها يغدو الكرسي أهم من الجالس عليه، وتُقدَّم استمرارية النظام على بقاء الحاكم نفسه، ويصبح الدفاع عن الامتيازات أولى من الدفاع عن القيم. وعند اللحظة الفاصلة، لا ينهض الشعب دفاعًا عمّن لم يُنصفه، ولا تتقدّم الحاشية فداءً لمن طالما ادّعت له الولاء؛ إذ إن الولاءات المبنية على المصلحة تزول بزوالها، ولا تصمد ساعة الاختبار.
إن ولاء الشعوب لا يُعوَّض بولاء الأحزاب، ولا يُستبدل بطاعة الأجهزة، ولا يُشترى بالقوة أو الخوف. ولعلّ أكبر الأوهام السياسية هو الاعتقاد بأن السلاح، أو التحالفات، أو السيطرة على الإعلام، قادرة على تحصين الحكم إلى الأبد. فالتاريخ، في تجاربه القريبة والبعيدة، يثبت أن العدل وحده أساس الاستقرار، وأن المساواة شرط بقاء الدول، وأن إقصاء الشعب عن مركز القرار هو الطريق الأقصر إلى فقدان الشرعية.
الشعب ليس تفصيلًا ثانويًا في معادلة الحكم، ولا رقمًا يُستدعى عند الحاجة، بل هو أصل الشرعية، وسبب الوجود، وغاية كل سلطة تدّعي لنفسها المشروعية. وكل حكم يتجاهل هذه الحقيقة إنما يبدأ، ولو دون أن يشعر، العدّ التنازلي لنهايته، مهما طال الزمن وتعدّدت المبرّرات.
وإذا تحوّلت السلطة إلى تسلّط، وقُدِّس الحاكم على حساب المحكوم، فلا الحاكم يبقى، ولا السلطة تسلم.
رئيس مركز شنقيط الإسلامي
بديربورن – ميتشيغان
أحمد الشيباني



