المأمورية الثالثة.. هل تحتاج موريتانيا إلى الرئيس الجيد أم إلى الدولة القوية؟

 

عاد الحديث عن المأموريات الرئاسية إلى الواجهة في موريتانيا، ولم يعد مجرد همس في المجالس أو تخمينات يطلقها خصوم النظام. شخصيات محسوبة على الموالاة باتت تتحدث علنًا عن استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبعضها ذهب إلى الحديث عن تعديل الدستور أو حتى صياغة دستور جديد.

وفي المقابل، ترتفع أصوات ترى أن مجرد فتح هذا الباب يهدد واحدة من أهم الضمانات التي راكمتها التجربة السياسية الموريتانية.

وسط هذا النقاش راودني سؤال بدا لي في البداية بسيطًا ومنطقيًا:

لماذا ينبغي لبلد لم تترسخ فيه المؤسسات بعد أن يتخلى عن رئيس يراه الناس صالحًا للحكم، فقط لأن مأمورياته انتهت؟

موريتانيا ليست دولة استقرت فيها المؤسسات إلى الحد الذي يجعل شخصية الرئيس أمرًا ثانويًا. عندنا ما زال للرئيس تأثير بالغ في اتجاه الدولة وفي الإدارة والسياسة والاقتصاد، ولذلك يمكن أن يكون الفرق كبيرًا بين رئيس وآخر.

ومن هنا تبدو الحجة مغرية: إذا وجد بلد مثل موريتانيا رئيسًا هادئًا، لا يدفع المجتمع إلى الصدام، ويحافظ على قدر من الاستقرار، ويرى أنصاره أنه يحقق إنجازات تستحق الاستمرار، فلماذا يكون تغيير الرجل غاية في ذاته؟

أليس التداول على السلطة وسيلة لخدمة البلد وليس غاية مستقلة عن مصالحه؟

ولنفترض، جدلًا، أن أغلبية الموريتانيين أصبحت مقتنعة عام 2029 بأن استمرار محمد ولد الشيخ الغزواني أفضل من رحيله. لماذا يمنعها الدستور من اختيار من تريد؟

ظل السؤال يبدو لي وجيهًا إلى أن حاولت السير معه إلى نهايته.

وهنا بدأت المشكلة.

من الذي سيحدد أن الرئيس الذي بين أيدينا جيد إلى درجة تستحق تغيير القاعدة من أجله؟ أنصاره سيقولون ذلك بالتأكيد، وخصومه سيقولون العكس.

ثم إن التاريخ السياسي لا يعرف رئيسًا طلب البقاء وقال لشعبه إن السبب هو تعلقه بالسلطة. المبررات دائمًا أكثر قبولًا: استكمال المشاريع، حماية الاستقرار والمكتسبات، الظروف الإقليمية، أو أن الشعب نفسه يريد استمرار المسيرة.

وقد تكون بعض هذه المبررات صادقة، لكن الدساتير لا تُكتب على أساس افتراض صلاح الأشخاص.

وهناك سؤال موريتاني آخر يصعب الهروب منه.

إذا كان منطقنا هو الاحتفاظ بالرئيس الذي نراه جيدًا، فمن أين نعرف أن الرئيس القادم لن يكون أفضل منه؟

محمد ولد الشيخ الغزواني نفسه وصل إلى الرئاسة عام 2019 بعد انتهاء المأمورية الثانية للرئيس محمد ولد عبد العزيز. فلو قرر الموريتانيون في كل مرة أن الحاكم الموجود هو الخيار الآمن وأن المستقبل مجهول، فكيف كان يمكن أصلًا أن نصل إلى تجربة غزواني التي يستند إليها اليوم المطالبون باستمراره؟

هنا تظهر المفارقة: القاعدة التي قد يراها البعض اليوم عائقًا أمام استمرار غزواني هي نفسها التي سمحت بالأمس بانتقال السلطة إليه.

لكن المسألة أعمق من غزواني وعبد العزيز ومن سيكون بعدهما.

المشكلة في رأيي ليست أن موريتانيا قد تخسر رئيسًا جيدًا بسبب تحديد المأموريات، وإنما أن تكون موريتانيا محتاجة أصلًا إلى بقاء رئيس جيد حتى تستمر بصورة طبيعية.

فالرئيس، أي رئيس، سيغادر يومًا. وإذا كانت المشاريع تتوقف برحيله، والمؤسسات تضعف بعده، والاستقرار مرتبطًا بشخصه، فقد نكون أمام رئيس ناجح، لكننا لسنا أمام دولة نجحت في تجاوز الأشخاص.

وهنا انقلبت عندي الحجة تقريبًا على نفسها.

كنت أقول إن مؤسساتنا ما زالت ضعيفة، ولذلك قد نحتاج إلى الاحتفاظ بالرجل الجيد مدة أطول. لكن أليست المؤسسات الضعيفة هي التي تحتاج أكثر من غيرها إلى القيود على سلطة الأشخاص؟

في الديمقراطيات ذات المؤسسات الراسخة قد يبقى رئيس حكومة سنوات طويلة دون أن يمتلك الدولة. يستطيع القضاء أن يحكم ضده، والصحافة أن تنتقده، والناخب أن يسقطه، وإذا خسر يغادر.

أما في دولة ما زالت مؤسساتها تتشكل، فإن طول البقاء في السلطة قد يجعل الفصل بين الدولة والحاكم أكثر صعوبة. مع السنوات يتسع نفوذ الرئيس داخل الإدارة، وترتبط ببقائه مصالح سياسية واقتصادية وإدارية، وبعد فترة قد لا يعود السؤال: هل يستطيع الرئيس الفوز؟ بل: هل يستطيع منافسه أن ينافسه أصلًا بشروط متكافئة؟

ومن هنا وصلت إلى نتيجة معاكسة تقريبًا لنقطة البداية:

الدولة القوية قد تستطيع تحمل بقاء حاكم مدة طويلة، لأنها تملك المؤسسات القادرة على إخراجه. أما الدولة الضعيفة، التي تبدو أكثر حاجة إلى «الرجل الصالح»، فهي ربما أكثر حاجة إلى قاعدة تقول للرجل الصالح نفسه: سيأتي يوم تغادر فيه.

وليس في هذا انتقاص من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ولا حكم على حصيلة سنواته في السلطة.

إذا كان أنصاره يرون أنه قدم لموريتانيا تجربة تستحق الإشادة، فهناك سؤال آخر لا يقل أهمية عن سؤال بقائه: ماذا سيترك بعده؟

هل يترك إدارة أقوى، وقضاء أكثر استقلالًا، ومؤسسات تستطيع الاستمرار من دونه، ونظامًا سياسيًا يقبل وصول شخص آخر إلى الرئاسة، ودولة لا تخاف من اليوم التالي لمغادرته؟

ذلك، في رأيي، سيكون الإنجاز الأصعب والأبقى.

لقد جربت موريتانيا طويلًا فكرة الرجل الذي لا بديل عنه. وكلما اقتربت نهاية عهد اكتشف بعض المحيطين بالسلطة فجأة أن البلد لا يستطيع الاستمرار من دون صاحبه.

ثم يغادر الرجل، ويبقى البلد.

ولهذا لا ينبغي اختزال النقاش الحالي في سؤال: هل نحب غزواني أم نعارضه؟

المسألة أكبر من غزواني نفسه.

فالدستور الذي نعدله اليوم من أجل رئيس نثق فيه سيصبح غدًا بين يدي رئيس قد لا نثق فيه. والقاعدة الدستورية الجيدة لا تُختبر فقط عندما يكون في السلطة من نطمئن إليه، وإنما عندما يصل إليها من نخشى سلطته.

لا أرى التداول على السلطة قيمة لأن تغيير الرؤساء جميل في ذاته. قد يأتي بعد الرئيس الجيد من هو أقل منه كفاءة، وقد يأتي بعد السيئ من هو أسوأ. صندوق الاقتراع لا يضمن لنا دائمًا أفضل الرجال.

لكن التداول يرسخ شيئًا أهم: أن موريتانيا أكبر من رئيسها.

وأن القصر الرئاسي مكان يدخله الرجال ثم يخرجون منه، لا مكانًا نعيد صياغة قواعد الدولة كلما أحببنا من يسكنه.

وربما يكون الإنجاز التاريخي الحقيقي لأي رئيس موريتاني ناجح ألا يجعل الناس يقولون في نهاية حكمه: لا نستطيع الاستمرار من دونه، بل أن يجعلهم مطمئنين إلى أن ما بناه سيبقى بعده.

عندها نكون قد انتقلنا من دولة تبحث كل عشر سنوات عن الرجل الذي ينقذها، إلى دولة تحميها مؤسساتها.

وفي خضم النقاش حول المأمورية الثالثة، ربما لا يكون السؤال الأهم:

هل نريد غزواني بعد 2029؟

بل:

أي موريتانيا نريد بعد غزواني، وبعد الذي سيأتي بعد غزواني؟

آمنة منت المختار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى